أحمد مصطفى المراغي

92

تفسير المراغي

ولما بين أنه نهى عن عبادة غير اللّه - أردف ذلك أنه أمر بعبادته تعالى فقال : ( وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) أي وأمرت أن أنقاد له تعالى وأخلص له ديني . ثم ذكر من الدلائل على وجوده تعالى تكوين الإنسان من ابتداء النطفة إلى وقت الشيخوخة فقال : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي هو الذي خلقكم من التراب ، إذ كل إنسان مخلوق من المنى ، والمنى مخلوق من الدم ، والدم يتولد من الأغذية ، والأغذية تنتهى إلى النبات ، والنبات يتكون من التراب والماء - ثم ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة إلى مراتب كثيرة حتى ينفصل الجنين من بطن الأم . وقد رتب سبحانه عمر الإنسان ثلاث مراتب : ( 1 ) الطفولة . ( 2 ) بلوغ الأشد . ( 3 ) الشيخوخة ، ومن الناس من يتوفى قبل المرتبة الأخيرة . وهو يفعل ذلك لتبلغوا الأجل المسمى وهو يوم القيامة ، ولتعقلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم . وكما استدل بهذه التغيرات على وجود الإله القادر - استدل على ذلك بانتقال الإنسان من الحياة إلى الموت ، ومن الموت إلى الحياة فقال : ( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي قل لهم أيها الرسول : هو الذي يحيى من يشاء بعد مماته ، ويميت من يشاء من الأحياء وإذا أراد كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها ، فإنما يقول له كن فيكون بلا معاناة ولا كلفة . وهذا تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات حين تعلق إرادته بوجودها ، وتصوير سرعة ترتب المكوّنات على تكوينه من غير أن يكون هناك آمر ومأمور .